طواريء في مصارفنا وقناة السويس وقطاعات الاستثمار والتصدير لاحتواء أي آثار سلبية

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية بين دول المحور والحلفاء لم يفكر كل طرف في الضرر الذي سيلحق بالآخر أو حتي بالأضرار التي ستلحق به حتي ولو خرج منتصرا..وبعد هزيمة هتلر اجتمع وزراء مالية دول الحلفاء البالغ عددهم 44 دولة في فندق ماونت واشنطن في برشيون وورس بولاية يتوهابشاير لوضع قواعد عمل نظام مالي عالمي..ولكن الهدف من جمع العالم علي نظام واحد اقامة شبكة من المصالح تعرقل اندلاع أي حرب عالمية أخري تدمر العالم حيث تخشي كل دولة علي مصالحها المنتشرة في أنحاء المعمورة.

وتم توقيع اتفاق في هذا الاطار يتضمن أيضا قواعد تسهم في منع تكرار الكساد العظيم الذي وقع في ثلاثينيات القرن الماضي برعاية رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت وينستون تشرشل ورئيس الولايات المتحدة "فرانكلين روزفلتش و"جون ماينورد كينز" الخبير الاقتصادي.

وكان من أهم نتائج هذا الاتفاق ظهور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي باعتبارهما الشرطي الذي سيراقب تطبيق قواعد النظام العالمي الجديد والتزام دول العالم بقواعده.

لكن النتيجة الأهم الآن هو أن التأثير المتبادل بين الاقتصاديات أصبح واضحا وتحول العالم من الشكل الكروي إلي الشكل المسطح كما يقول الكاتب الأمريكي توماس فريدمان.

وظهر هذا التأثير المتبادل في الأزمة المالية التي عصفت بالقطاع المالي العالمي وخاصة أسواق المال من أقصي الغرب إلي أقصي الشرق.

ربما أن مصر جزء من هذا العالم فإن تأثرها بالأزمة العالمية "بات" مسألة غير مطروحة للنقاش وان اختلف الخبراء حول مدي هذا التأثر.

اعتراف د.أحمد نظيف
ولأن التأثر أمر حتمي فلم ينف رئيس الوزراء المصري د.أحمد نظيف وجود تأثيرعلي الاقتصاد المصري وان وصفه بأنه محدود ولا يثير قلقه.

وقال ان صادرات مصر التي ارتفعت بنسبة 20% قد تتأثر بسبب الركود العالمي. ولكن بنسبة ليست كبيرة بسبب القدرة التنافسية للسلع المصرية.

لكن حتي هذه الصادرات التي ستفلت من تباطؤ الاقتصاد الدولي فإنها ستصاب بضربة قوية بسبب تراجع الأسعار دوليا فالبترول هبط من 140 دولاراً إلي أقل من 88 دولاراً والغاز الذي قفز إلي نحو 4 دولارات للوحدة البريطانية هبط أيضا في الأسواق الدولية مما يعني تقلص عائداتها.

مصر وتداعيات الأزمة
ورغم تبسيط المسئولين بالحكومة المصرية لحجم التأثير فانني لا أري أنه تأثير هائل. ولكن في الوقت نفسه التأثير سيكون ملموساً في قطاعات كثير منها المصارف والصناعة وهي قناة السويس.

فالبنك المركزي المصري طلب من البنوك العاملة بالسوق إعداد تقارير حول استثماراتها الخارجية في البنوك العالمية. خاصة الأسهم والسندات.

وبكل تأكيد فإن هذه الاستثمارات حققت خسائر كبيرة كما هو الحال في الأسواق العالمية المنهارة حاليا.
وتهدف هذه الخطوة إلي اتخاذ التدابير الوقائية لتفادي تأثير البنوك المصرية لهذه الأزمة بعد إفلاس بنوك عالمية مثل ليمان برازرس ومؤسسة "ايه أي جي" للتأمين الأمريكية.

لكن البنك المركزي لم يصدر أي تعليمات جديدة بشأن أي ضوابط جديدة لتعامل البنوك المصرية مع البنوك العالمية باعتبار أن الضوابط التي وضعها منذ إفلاس بنك الائتمان والتجارة المصري في بداية التسعينيات لا تزال مطبقة خاصة حظر استثمار أي بنك لأكثر من 10% من ودائعه في بنك آخر تجنبا لمخاطر الافلاس.

وقد سحب البنك المركزي نحو 23.5 مليار جنيه من الأسواق مع اندلاع الأزمة ضمن عمليات السحب الواسعة للسيولة حتي لا يعطي فرصة للمضاربة في العقارات وغيرها.

ويتابع المركزي أيضا أنشطة التمويل العقاري التي بدأت البنوك المصرية في التوسع بها والتي كانت سبب الكارثة التي تعيشها الولايات المتحدة حتي الآن بسبب الافراط فيها.

لكن المخاطر التي تتعرض لها البنوك نتيجة الأزمة العالمية قد تخفي علي كثيرين لكن أصحاب المهنة بدأوا بحث سبل التقليل من سلبيات هذه الفترة حيث أعلنت حالة الطواريء في إدارات المخاطر والعلاقات الخارجية والمراسلين والخزانة وأسواق المال بالبنوك المصرية لمراجعة ضوابط ومعايير التعامل مع البنوك العالمية خاصة فيما يتعلق بالايداع والاستثمار لديها.. وما سبق يستحق الاشادة بجهود الاقتصادي فاروق العقدة رئيس البنك المركزي وفريق العمل المعاون له مباشرة أو في البنوك التي يشرف عليها البنك المركزي.

ويعتبر العنصر الرئيسي في الأزمة الذي يؤثر علي البنوك المصرية بشكل غير مباشر هو نقص السيولة الخطر الرئيسي علي نمو الاقتصاد المصري المعهود بالتراجع إلي معدل 6% فقط.

والسبب الرئيسي في هذا التأثير هو ارتباط السوق المصرية بالخليجية التي تتأثر أولا بالأزمة ثم تلقي بهذا التأثير علي البلاد لما لها من استثمارات ضخمة في مصر خاصة في القطاع العقاري وإلي التأثير علي تحويلات المصريين في الخارج.

قناة السويس
ولاشك أن تباطؤ الاقتصاد العالمي سيؤدي إلي تراجع حركة التجارة الدولية مما يؤثر علي المنافذ البحرية والبرية لنقل البضائع فضلا عن انخفاض الطلب علي البترول وهي جميعا أنشطة هامة لحركة قناة السويس التي حققت طفرات هائلة في السنوات الأخيرة.

وبدأت بالفعل إدارة التخطيط والبحوث والدراسات بهيئة قناة السويس في دراسة التأثيرات المحتملة للأزمة المالية العالمية علي إيرادات القناة.

ورغم أن الأزمة لم يكن لها تأثير واضح خلال الأسابيع الماضية إلا أن هذا التأثير سيبدأ مع نهاية الشهر الجاري خاصة بعد الأنباء عن الغاء بعض الصفقات وتعاقدات تسليم البضائع حول العالم.

وفي آخر احصاء لمؤشر حركة الشحن العالمي أظهرت النتائج هبوط المؤشر بنسبة 82% خلال الشهر الماضي وهي نسبة مرشحة للصعود خلال شهر أكتوبر الجاري.

وتعتبر حركة التجارة المتدفقة من الصين وشرق آسيا إلي غرب أوروبا بالولايات المتحدة هي العنصر الرئيسي المؤثر في نشاط قناة السويس.

ويشار في هذا الصدد إلي أن الخبراء يرون صعوبة توقع معدل تراجع ايرادات قناة السويس. لكن الأزمة المالية التي ضربت دول جنوب شرق آسيا عامي 1997 و1998 أسفرت عن تراجع الايرادات بنسبة 10% لمدة عام كامل أن تتجاوز هذه المرحلة.

الاستثمارات
ويستبعد الخبراء أن يتعرض الاقتصاد المصري لهزة عنيفة بسبب الاقتصاد الأمريكي الذي دخل في مرحلة من الركود لأن حجم التعامل الاقتصادي المصري وارتباطه بالاقتصاد الأمريكي قليل للغاية بل أن الاقتصاد الوطني لا يمثل سوي 1% فقط من حجم الاقتصاد العالمي.

كما أنه ليس هناك شركات مالية لها علاقة ضخمة بشكل وثيق مع الاقتصاد الأمريكي علي العكس من دول الخليج التي ترتبط بعلاقات استثمارية وطيدة.

وبالتالي فإن تأثر قطاعات الاستثمار في مصر سيكون بسبب تراجع الاستثمارات الخليجية التي ستكون مشغولة بتعويض خسائرها الخارجية كما حدث في البورصة المصرية حيث عمل المستثمرون العرب إلي بيع الأسهم والخروج سريعا بأكبر قدر من السيولة لتعويض الخسائر في البورصات الخليجية والدولية.
وخلاصة القول ان الأزمة المالية تقول بلسان حالها "لن يفلت أحد" والجميع أصبح في مرمي النيران. والمطلوب من كل حكومة أن تراجع قواعد العمل في سوقها المحلي علي كافة الأصعدة وتعالج نقاط الضعف التي اكتشفتها.

ولعل أهم القطاعات التي تحتاج إلي إعادة نظر خاصة علي مستوي اللوائح هو القطاع المصرفي. فقد أعلن العالم إيمانه بعد الأزمة الراهنة بنجاح النموذج المصرف الاسلامي لما له من مميزات عدة.

وقد صدر مؤخرا كتاب للباحثة الايطالية كدورتيا نابليوني بعنوان "اقتصاد امن آوي" أشارت فيه إلي أهمية نظام التمويل الاسلامي لانقاذ الاقتصاد الغربي العجوز.

وأكد الكتاب أن الانهيار الحالي ناتج عن الفساد والمضاربات التي تحكم السوق وأدت إلي سلبيات دمرت الاقتصاد.